من هنا وهناك 21

  • صور من مصنع آيفون 1 و2.

حكاية iPhone (الجزء الثاني)

مبارك عليكم شهر رمضان. أعاننا الله وإياكم على صيامه وقيامه، وكتبنا وإياكم من المقبولين.
بدأنا في الجزء الأول حكاية آيفون، وهنا في الجزء الثاني أكملها بترجمة متواضعة حتى النهاية…

صنعت أبل جهازي هاتف؛ الأول هو “روكر” الذي صنع بالشراكة مع موتورولا عام 2005م، والأخر هو “آيفون” الذي أطلقته أبل عام 2007م. كان روكر لا يستطيع تخزين أكثر من 100 أغنية حتى وإن بقيت مساحة في الذاكرة، بينما آيفون يمكنه أن يخزن حتى 1500 أغنية  بقدر ما تسمح به ذاكرته ذات الثمانية جيجا. كان روكر يلزمك بنقل ما تشتريه من متجر آيتونز عن طريق الكومبيوتر، بينما آيفون ينقل ما تشتريه مباشرة إلى الهاتف دون حاجة إلى وسيط. كان روكر ذا واجهة استخدام صعبة، بينما واجهة استخدام آيفون لا تحتاج  دليلاً للاستخدام. كان تصميم روكر يكاد يصرخ “تجمع الشركات صنعني”، بينما تكفيك نظرة إلى آيفون لتدرك أنه غاية في الروعة!

على الرغم من أن روكر دخل مرحلة الإنتاج، فإن جوبز أدرك أن عليه أن يصنع هاتفه الخاص. ففي فبراير عام 2005م، اجتمع جوبز مع شركة الاتصالات سينغولر ليناقش شراكة خالية من موتورولا. في ذلك الاجتماع عالي السرية في فندق في وسط مانهاتن، طرح جوبز خططه أمام كبار تنفيذيي سينغولر، بما فيهم سيغمان (حين استحوذت شركة أيه تي أند تي على سينغولر عام 2006م، استمر سيغمان رئيسًا على قسم الوايرلس). وصّل جوبز رسالة من ثلاثة أقسام لسينغولر: أبل تملك التقنية لتبني شيئًا ثوريًا بحق “سابقين الجميع بسنوات ضوئية”. أبل مستعدة لتناقش اتفاقية حصرية لتتم الصفقة. ولكن أيضًا أبل مستعدة لشراء دقائق استخدام الوايرلس بالجمله لتبيعها وتصبح بحكم هذا حاملاً كشركة اتصالات هي أيضًا.

كان لدى جوبز أسبابه ليكون واثقًا؛ فمهندسو أبل قضوا قرابة عام كامل يعملون على شاشة لمس لصنع جهاز كفي محمول، وأقنعوه بأنهم قادرون على عمل الشيء نفسه لواجهة هاتف. إضافة إلى ذلك، وشكرًا لإصدار شريحة “أيه أر إم إيليفن”، فإن معالجات الهواتف المحمولة أصبحت أخيرًا سريعة وفعالة كفاية لتشغل جهازًا يجمع وظيفة هاتف وكومبيوتر وآيبود. كذلك دقائق استخدام الوايرلس أصبحت رخيصة كفاية لتستطيع أبل إعادة بيعها على المستهلكين؛ فشركات كـ”فيرجن” كانت تفعل الشيء ذاته.

أُخذ سيغمان وفريقه فورًا بفكرة الآيفون. فاستراتيجية سينغولر، كسائر شركات الاتصالات، تستدعي أن يستخدم المستهلكون هواتفهم المحمولة لدخول الويب؛ فتجارة المكالمات بدأت تنهار، وحرب الأسعار قصقصت هوامش الربح. أما الآيفون بقدارته الموعودة لتنزيل الموسيقى والفيديو وتصفح الإنترنت باستخدام سرعة الواي فاي قد تقود لزيادة عدد عملاء نقل البيانات. وهنا، وليس المكالمات، هو المكان الذي تكون هوامش الربح فيه وافرة.

إضافة إلى ذلك، ففريق سينغولر كان يدرك أن نموذج العمل الحالي يجب أن يتغير. فلقد اعتادت شركات الاتصالات أن تنظر لشبكاتها كمصادر ثمينة، ولأجهزة الهاتف كمرافقات لا قيمة لها. هذه الاستراتيجية خدمتهم جيدًا؛ فبتخفيض أسعار الهواتف المحمولة، جعلت شركات الاتصالات الاشتراك أسهل للعملاء الجدد، ومن ثم ربطهم بعقود طويلة المدى تضمن تدفقًا جيدًا للعوائد.

لكن الوايرلس لم يعد أداة كمالية كما كان؛ بل أصبح حاجة أساسية. التحدي الأكبر الذي يواجه شركات الاتصالات الآن لم يكن إيجاد مستهلكين جدد؛ ولكن سرقة هؤلاء المستهلكين من بعضهم البعض. ببساطة، فإن إغراء العملاء بهواتف محمولة رخيصة لم يعد يجدي. سيغمان وفريقه يريدون أن يوفروا أجهزة يشعر المستهلك بأنه يجب أن يحصل عليها، ويجب أن يكونو هم الوحيدون القادرون على تقديم هذه الأجهزة. ومن أفضل من جوبز ليصنع مثل هذا الجهاز؟!

بالنسبة لسينغولر، فطموحات أبل كانت مفجرة للمواهب ومحطمة للأعصاب بنفس الوقت. علاقة كهذه مع مصنّع الآيبود ستضيف لشعار الشركة الإغراء والثورية. وتوجد العديد من شركات الاتصالات التي تريد التوقيع مع جوبز لو أن سينغولر خذلته. جعلها جوبز واضحة بأنه سيسوّق فكرته لأي أحد يرغب في الاستماع. ولكن لم تعط شركة اتصالات من قبل أي أحد هذا القدر من المرونة  والتحكم التي يطلبها جوبز. وكان سيغمان يعلم أنه سيواجه المصاعب ليقنع أصحابه التنفيذيين وأعضاء مجلس الإدارة على عقد كالذي طرحه جوبز.

لقد كان سيغمان مصيبًا، المفاوضات ستأخد أكثر من سنة، وهو وفريقه يتساءلون إذا ما كان الامر يستحق. في مرحلة ما، اجتمع جوبز مع بعض التنفيذين من شركة الاتصالات فريزون، والذين ردوه خائبًا. من الصعب لومهم، فلسنوات كانت شركات الاتصالات تحاسب العملاء والمزودين لاستخدامهم شبكاتها. وبإعطاء هذا القدر من التحكم لجوبز، خاطرت سينغولر بتحويل شبكتها إلى موصل للمحتوى بدل أن تكون مصدره. فريق سيغمان راهن رهانًا واضحًا: الآيفون سيكفل قدرًا من نقل البيانات يعوض عن أي عوائد قد تخسرها سينغولر من عقود المحتوى.

لم يكن جوبز لينتظر حل النقاط المشكلة في العقد. فبحلول عيد الشكر عام 2005م، وقبل ثمانية أشهر من توقيع الاتفاقية النهائية بين سينغولر وأبل، وجه جوبز مهندسيه ليعملوا بالسرعة القصوى على المشروع. وإذا ما كانت المفاوضات مع سينغولر معقدة، فإنها ببساطة تقارن مع التحديات الهندسية والتصميمية التي تواجهها أبل. كبداية، فقد كان هناك تساؤل عن أي نظام تشغيل سيستخدم في آيفون؟ فمنذ عام 2002م، عندما طرحت فكرة هاتف من أبل لأول مرة، فإن شرائح الهواتف المحمولة صارت أكثر قدرة، ونظريًا يمكن أن تدعم بعض نسخ نظام التشغيل الشهير ماكنتوش. ولكن يجب أن ينقح وتعاد كتابته بشكل كبير. حجم نظام تشغيل آيفون يجب ألا يتجاوز بضعة مئات من الميجابايتات. تقريبًا، عُشر حجم نظام تشغيل الماكنتوش ماك او إس اكس.

قبل أن يبدأوا تصميم الآيفون، كان على جوبز وتنفيذييه أن يقرروا كيف يحلون هذه المشكلة. المهندسون نظروا بعمق لنظام التشغيل لينكس، الذي كانت قد أعيدت كتابته مسبقًا ليستخدم في الهواتف المحمولة، لكن جوبز رفض استخدام نظام تشغيل يعود لآخرين. لقد بنوا نسخة أولية من الهاتف، ووضعوها في آيبود معدل يستخدم القرص الدوار ليجري الاتصال، ولكن كان فقط يمكنه اختيار الأرقام والاتصال، بلا قدرة على تصفح الإنترنت. وهكذا، وفي بداية عام 2006م، وبينما كان مهندسو أبل ينهون عملية الانتقال المتعبة التي استغرقت قرابة عام لتحويل نظام التشغيل ماك أو إس اكس ليعمل على شرائح إنتل، حتى بدأوا عملية إعادة كتابة نظام التشغيل هذا ليناسب آيفون.

النقاش حول أي نظام تشغيل يستخدم في آيفون كان نقاشًا يألفه جميع تنفيذيو أبل. ولكن هناك مواضيع أخرى كانوا أقل استعدادًا لنقاشها. أشياء مثل: تصميم الأنتل، والإشعاع الصادر عن تردد إشارة الراديو، ومحاكاة الشبكة. ولتتأكد أبل من أن أنتل الآيفون البالغ الصغر يؤدي العمل بشكل فعال، فلقد صرفت الملايين لتشتري وتجمّع غرف اختبار مجهزة بالربوتات. ولتتاكد أبل أيضا من أن الآيفون لا يصدر إشعاعات عالية، فلقد بنت محاكيات للرأس البشري مدعمة لتحاكي كثافة الدماغ ولتقيس التأثير. كذلك، لتقيس أبل أداء آيفون على الشبكة، فلقد اشترى مهندسو أبل درزينة من محاكيات ترددات الراديو بحجم السيرفرات يكلف الواحد منها الملايين. وعلى الرغم من خبرة أبل في تصميم شاشات الآيبود، فإنها لم تساعدهم في تصميم شاشة الآيفون؛ فكما اكتشف جوبز، بينما كان يحمل نسخة أولية من الآيفون في جيبه، أنه يجب عليهم أن يصنعوا الشاشة من الزجاج ليقللوا الخدوش، بدل البلاستيك المقوى المستخدم في الآيبود. لقد قدر مصدر داخلي أن أبل صرفت ما يقارب 150 مليون دولارًا لتبني الآيفون.

وبرغم هذا كله، حافظ جوبز على القدر الأعلى من السرية. داخليًا، عُرف المشروع باسم P2 اختصارًا لـPurple 2 أي بنفسجي 2 (هاتف الآيبود الذي جربوه أول مرة اسمه Purple 1). الفرق قُسمت وتوزعت في مقر أبل في كوبرتينو. وحيثما سافر تنفيذيو أبل إلى سينغولر، كانوا يسجلون على أنهم موظفون من اينفينيون، الشركة التي استخدمت أبل محولاتها لصنع الهاتف. وكذلك عُزل فريق البرمجيات وفريق التصميم عن بعضهما؛ مهندسو التصميم علملوا على دارة حمّلت ببرمجيات مزيفة، ومهندسو البرمجة عملوا على لوحات كهربائية موضوعة على لوح خشبي. وفي يناير عام 2007م، وعندما أعلن جوبز عن الآيفون خلال مؤتمر ماك وورلد، كان فقط 30 شخصًا أو حولها هم الذين رأوا الجهاز قبل هذه المرة.

كان الآيفون لا يقاوم لدرجة أنه كان من السهل تجاهل أسباب عدم كماليته؛ كالسعر الابتدائي بـ599 دولارًا كان عاليًا جدًا (خفض إلى 399 دولارًا، والآن إلى 199 دولارًا). كذلك فالآيفون يعمل على شبكة إيدج الخاصة بإيه تي اند تي البطيئة. أيضًا فالمستخدمون لا يستطيعون البحث خلال بريدهم الالكتروني أو يستطيعون تسجيل مقاطع فيديو. وأيضًا المتصفح لا يدعم البرامج التي كتبت بالجافا أو الفلاش. ولكن لا شيء من هذا يهم، فالآيفون اخترق الاحتكار الذي كان محصورًا على شركات الاتصالات لصناعة الوايرلس، وفتح بابًا يعود بالفائدة للعملاء والمطورين والصانعين، ويحتمل لشركات الاتصالات نفسها. حصل العملاء على حاسب يدوي بسيط الاستخدام. ومثل الحاسب الشخصي، فقد بدأ الآيفون موجة من التطوير التي ستجعله أكثر قوة. في فبراير، سيصدر جوبز حزمة المطورين التي ستجعل أي شخص قادر على كتابة برنامج ليعمل على الجهاز.

حاليًا، المصنعون مستمتعون باستخدامهم بعض السلطة على شركات الاتصالات الذين عملوا معهم لعقود. وشركات الاتصالات التي رأت إيه تي اند تي تأكل حصتها السوقية، متلهفة لتجد جهازًا منافسًا، ويبدو أنهم مستعدون للتخلي عن بعض الصلاحيات ليحصلوا عليه. المصنعون سيحصلون على تحكم أكبر على منتجاتهم، والمستخدمون سيكون لهم تأثير أكبر على ما يُبنى.من الواضح أن مطوري التطبيقات سيحصلون على فرص أكبر، حيث أن شركات الاتصالات بدأت تظهر علامات للتخلي عن سياستها في الحجر على المستهلكين. شركتا تي موبايل وسبرنت وقعتا كشريكتين في نظام تشغيل غوغل للهواتف المحمولة “أندرويد” الذي يكفل سهولة للمطورين المستقلين ليصنعوا تطبيقات للهواتف المحمولة. شركة فيرزون، أحد أكثر شركات الاتصالات تحفظًا، أوضحت أنها في نوفمبر ستفتح شبكتها لتستخدم من أي جهاز يدوي موائم. أيه تي أند تي أعلنت إعلانًا مماثلاً بعد إعلان فيرزون بأيام. وفي النهاية، سيؤدي هذا إلى خلق تجربة جديدة كليًا في صناعة الوايرلس، حيث تعمل التطبيقات على أي جهاز وعلى أي شبكة. وفي الوقت نفسه، ستعطيها بعضًا من المرونة والعملية التي تتمتع بها شكبة الإنترنت.

قد يبدو لشركات الاتصالات أن الآيفون قد أعطى كل القوة للمستهلكين والموردين والمصنعين، بينما حوّل شبكات الوايرلس إلى طريق موصل فقط. ولكن ببعض التطوير الإبداعي، يمكن لشبكات شركات الاتصلات أن تكون أكثر قيمة، لا أقل. المستهلكون سيقضون وقتَا أكثر باستخدام الأجهزة، وبذلك فهم يقضون وقتًا أكثر في استخدام الشبكة، مراكمين بذلك فواتير أعلى، ومنتجين دخلاً أكبر للجميع.

ونسبة إلى بول روث، رئيس القطاع التسويقي في أيه تي اند تي، فإن شركات الاتصالات تكتشف منتجات وخدمات جديدة (مثل المعاملات البنكية عبر الهواتف المحمولة) التي تستفيد من قدرات الآيفون. “نحن نفكر في اختلافات السوق” وبعبارة أخرى، التطوير الذي كانت تخافه شركات الوايرلس طويلاَ، قد يكون هو بالضبط ما يحتاجونه! وكان على ستيف جوبز أن يريهم ذلك.

بسيط، فعال، ناجح!

البيئة الأنسب للإبداع في الاقتصاد العربي:

“إن كنت تبحث عن فكرة مشروع جديد ومميز لا تفكر في استيراد بضاعة وبيعها، ولا تفكر في تصنيع منتج جديد إلى إن كانت لديك الموارد المطلوبة ورأس المال المناسب. نصيحتي للشباب الطموح التوجه إلى القطاع الخدمي، فكر في خدمة تستطيع أن تقدمها لغيرك مقابل رسوم معينة. ميزة مثل هذه الأفكار والمشاريع هو عدم تطلبها لمكاتب كبيرة في مواقع استراتيجية في المدينة، وكذلك عدم حاجتها لطاقم عمل كبير ومواد بناء ..إلخ. قد تكون خدمتك مجرد تزيين لحدائق الفلل، أو تسويق عقارات للبيع، أو استقبال رجال الأعمال الأجانب ومساعدتهم في رحلتهم التجارية. لا يمكن حصر الأفكار التي يستطيع أي شخص أن يقوم بتنفيذها بكل سهولة طالما توفرت فيها متطلبات العمل من لباقة وخبرة في المجال وسعة الصدر.”

من هنا وهناك 20

من هنا وهناك 19

وفاة هديل الحضيف

من مدونة صالح الزيد:

انتقلت إلى رحمة الله اليوم هديل الحضيف …. الصلاة عليها اليوم العصر في جامع الراجحي بالرياض.. لا حول و لا قوة إلا بالله، إنا لله و إنا إليه لراجعون. اللهم اغفر لها و ارحمها و اسكنها فسيح جناتك. أحسن الله عزاكم يا آل حضيف و صبركم.

….

كتب سامي عمر في جروب الفيسبوك

إنا لله وإنا اليه راجعون

بقلوب ملئها الرضا
ملئها الحزن لفراق هديل
ملئها الفرح والثقة بالله أنها إنتقلت إلى جوار من هو أرحم بها منها
إنتقلت إلى الرفيق الأعلى
أختنا الغالية هديل

وسيصلى عليها العصر بمسجد الراجحي بمدينة الرياض

لا تنسول الدعاء لها ولوالديها بالمغفرة والثبات

من هنا وهناك 18

من هنا وهناك 17

من هنا وهناك 16

حكاية iPhone (الجزء الأول)

تستمر مجلة wired.com في كشف الحقائق؛ فبعد حكاية iPod التي سبق وترجمتها هنا، قام فرِد فوجلستين في الشهر الأول من عام 2008 بنشر حكاية iPhone، والتي أترجمها ترجمة متواضعة في السطور القادمة…

قبل سنة تقريبًا، وفي ضحى أحد أيام خريف 2006، كلّف ستيف جوبز 200 من خيرة مهندسي أبل بصنع الآيفون… والآن، هنا في غرفة اجتماعات أبل، كان واضحًا أن النسخة الأولية لا تزال سيئة؛ لم تكن فقط مليئة بالأخطاء البرمجية، بل كان سطح الاستخدام لا يعمل، وكان الهاتف يسقط المكالمات بشكل متكرر، والبطارية تقف عن الشحن قبل اكتماله، والبيانات والتطبيقات تتعطل ولا تعمل باستمرار. قائمة المشاكل كانت تبدو غير منتهية.. في نهاية العرض، حدّقت عينا ستيف جوبز بجمود في الأشخاص الموجودين في الغرفة وقال: “ليس لدينا منتج بعد”.

لقد كان تأثير كلمته مرعبًا أكثر من أحدى نوبات غضبه المعروفة. فعندما يصرخ رئيس أبل على فريقه، فهذا شيء مخيف، ولكنه معتاد. أما في هذه المرة، كان هدوءه مثيرًا للرعب. “لقد كانت هذه أحد المرات القليلة التي أشعر فيها بالقشعريرة” قالها أحد الذين كانوا في الاجتماع.

لقد كانت العواقب وخيمة؛ الآيفون هو جوهرة لقاء ماك وورلد السنوي، والذي سيعقد خلال أشهر قليلة من الآن. ومنذ رجوع ستيف جوبز لأبل عام 1997، فقد تعوّد أن يستعمل هذا اللقاء ليعرض فيه أهم وأكبر منتجاته. متابعو أبل كانوا يتوقعون إعلانًا مثيرًا آخر. وقد كان جوبز قد أقر سابقًا بأن نظام التشغيل الجديد “ليبرد” سيتأخر. فإذا لم يكن الآيفون جاهزًا في الوقت المحدد، فإن لقاء ماك وورلد سيكون فاشلاً، وسيرقص منتقدو جوبز فرحًا، وسهم شركة أبل قد يعاني.

وماذا ستعتقد شركة الاتصالات أيه تي آند تي؟ وبعد سنة ونصف من الاجتماعات السرية، وحين توصل جوبز أخيرًا إلى اتفاق مع قسم الوايرلس التابع لعملاق الاتصالات ليكون هو الحامل الحصري للآيفون. فمقابل خمس سنوات من الاحتكار، وعشرة بالمئة من مبيعات آيفون في متاجر أيه تي أند تي، وجزء بسيط من عوائد متجر آيتونز الخاص بأبل، فإن أيه تي أند تي منحت جوبز قوة ليس لها مثيل. فقد أقنع جوبز أيه تي أند تي لتصرف الملايين من الدولارات والآلاف من ساعات العمل ليصنعوا خدمة جديدة أطلق عليها “البريد الصوتي البصري”. وكذلك ليعيدوا تصميم الطريقة التي يُقضى فيها الوقت للاشتراك من داخل المتجر. وكذلك أوجد اتفاقية خاصة لمشاركة العوائد، تحصل فيها أبل على عشرة دولارات شهريًا من كل فاتورة عميل يستخدم آيفون عن طريق أيه تي أند تي. وفوق كل ذلك، احتفظت أبل بالحق الكامل في تصميم وتصنيع وتسويق الآيفون. لقد فعل جوبز ما لا يمكن التفكير فيه: انتزاع صفقة جيدة من واحد من أكبر اللاعبين في حقل صناعة الوايرلس. والآن، فأقل ما يستطيع عمله هو إنجاز ما وعد به في الوقت المحدد.

بالنسبة لهؤلاء الذين عملوا على الآيفون، ستكون الأشهر الثلاثة القادمة هي الأكثر ضغطًا في حياتهم المهنية. الصراخ كان يرتفع باستمرار في الأروقة. المهندسون خارت قواهم من البرمجة طوال الليل، وحين ينامون، فهم يستيقضون ليعوضوا ما فاتهم من الوقت في البرمجة من جديد. مديرة الانتاج صفقت باب مكتبها بشدة لدرجة أن مقبضه التوى وحجزها في الداخل! وقد احتاج زملاؤها لساعة من الضربات المحكمة على الباب بمضرب من الألمينيوم لتحريرها.

ولكن في نهاية هذا الضغط، قبل أسابيع فقط من لقاء ماك وورلد، كان جوبز يملك نسخة أولية من المنتج ليريها المسؤولين في أيه تي أند تي. في منتصف ديسمبر 2006، قابل جوبز رئيس قسم الوايرلس ستان سيغمان في فندق فورسيزنز في لاس فيغاس، وكشف له عن شاشة الآيفون الساحرة، وعن متصفح الإنترنت القوي الذي يملكه، وعن واجهة الاستخدام الفاتنة. حينها قال سيغمان، ولم يكن مبالغًا، عن الآيفون “إنه أفضل جهاز رأيته على الإطلاق” (تفاصيل هذه اللحظات المهمة خلال صناعة الآيفون قدمت من أناس لهم علم بهذه الأحداث، فلا أبل أو أيه تي أند تي تطلعان أحدًا على هذه الاجتماعات أو على تفاصيل العلاقة بينهما).

بعد ستة أشهر، وفي التاسع والعشرين من جون 2007، طُرح الآيفون للبيع. وقال المحللون في مجلة بريس تايم بأنهم يتوقعون أن تباع قرابة 3 ملايين قطعة آيفون بنهاية 2007 (بعد كتابة هذا المقال، وفي لقاء ماك وورلد، أعلنت أبل أنها باعت 4 ملايين قطعة من آيفون!)، مما يجعله بذلك أسرع هاتف ذكي  يباع في التاريخ. وكذلك يقال بأنه أكثر منتجات شركة أبل ربحًا، فصافي ربح أبل من كل جهاز آيفون يباع بـ399 دولارًا هو 80 دولارًا، وذلك دون حساب الـ240 دولارًا التي تربحها مع كل عقد لسنتين يوقعها عميل يملك آيفون لدى أيه تي أند تي. حاليًا، تقريبًا 40 بالمئة من مشتري آيفون هم عملاء جدد على أيه تي أند تي، وكذلك فالآيفون ضاعف ثلاث مرات حجم نقل البيانات لأيه تي أند تي في مدنٍ كنيويوك وسان فرانسيسكو.

وعلى الرغم من أهمية تأثير الآيفون على ثروات أبل وأيه تي أند تي، فإن تأثيره الحقيقي ينصب على صناعة الهواتف المحمولة في الولايات المتحدة، والتي تقدر بـ11 مليار دولار سنويًا. فلعقود كانت شركات الاتصالات تعامل مصنعي الهواتف كالعبيد، فيستخدمون الوصول إلى شبكاتهم كأداة ليـُملوا على مصنعي الهواتف أي هاتف محمول يُصنع، وكم يكلّف، وأي خصاص يحملها. كان يُنظر للأجهزة المحمولة كأداوات رخيصة، مغرية، متوفرة، لتوقع المشتركين في كمين خدمات شركات الاتصالات وتففل عليهم. لكن الآيفون قلب موازيين تلك المعادلة؛ فتعلمت شركات الاتصلات أن الهاتف الجيد، وإن كان غاليًا، يستطيع جلب العملاء والربح. الآن، إتباعًا لما فعلته أبل، فإن كل مصنع هواتف يسابق لصنع هاتف يعشقه العملاء، بدل هاتف توافق عليه شركات الاتصالات. “لقد غيّر الآيفون بالفعل الطريقة التي يتعامل بها المصنعون وشركات الاتصالات” قالها مايكل أولسن محلل الأوراق المالية لدى شركة بايبر جافري.

في عام 2002، وبعد إطلاق أول آيبود بقليل، بدأ جوبز يفكر في تطوير هاتف. كان قد رأى الملايين من الأمريكيين يجرّون معهم هاتفًا، وبلاك بري (جهاز يستخدم أساسًا للوصول إلى البريد الإلكتروني، ولدخول محدود على الإنترنت)، و-الآن- مشغلات موسيقى. فطبيعيًا، كان المستهلكون يفضلون جهازًا واحدًا لكل ذلك. ورأى أيضًا أن الهواتف المحمولة وأجهزة البريد الإلكتروني المحمولة ستحوي مزيدًا من الخصائص في المستقبل، مهددة بذلك سيطرة الآيبود على سوق مشغلات الموسيقى. وليحمي خط إنتاجه الجديد، فقد علم جوبز أن عليه أن يغامر في عالم الوايرلس.

إذا كانت الفكرة واضحة، فأين العقبات؟ شبكات نقل البيانات كانت بطيئة وغير جاهزة لجهاز تصفح إنترنت ثوري. أيضًا، آيفون كان يتطلب من أبل أن تصنع نظام تشغيل جديد كليًا، فنظام تشغيل الآيبود لم يكن متطورًا كفاية ليتعامل مع شبكة الإنترنت أو الرسومات، أما استخدام نسخة مصغرة من نظام التشغيل أو إس أكس الخاص بكمبيوترات أبل فستكون ثقيلة جدًا على شريحة الهاتف المحمول لتتحملها. كذلك، كان على أبل أن تتعامل مع منافسين أقوياء. في عام 2003، المستهلكون احتشدوا أمام جهاز بالم “تريو 600″، الذي كان يجمع هاتفًا محمولاً وبلاك بري وبي دي أيه (كمبيوتر مصغر يؤدي بعض المهام البسيطة ويحمل باليد) في جهاز واحد. هذا يثبت أن هناك طلبًا على جهاز من القبيل، ولكنه أيضًا يرفع التحدي على مهندسي أبل.

ثم كانت هناك شركات الاتصالات.. جوبز يعلم أنهم هم من يأمرون بما يُصنع وكيف يُصنع، وبأنهم عاملوا أجهزة الهواتف كعربة تنقل المستخدمين لشبكاتهم. فجوبز، وهو المهووس بالسيطرة، لم يكن ليسمح لمجموعة من الرؤساء ذوي البدلات -الذين سيلقبهم لاحقًا بالأتباع- ليُملوا عليه كيف يصنع جهازه.

بحلول عام 2004، أصبح قطاع آيبود بالنسبة لأبل أكثر أهمية، وأقل تحصينُا من ذي قبل. مثـّل الآيبود 16 بالمئة من دخل شركة أبل، ولكن مع الشعبية التي تلاقيها هواتف الجيل الثالث، والهواتف المتوافقة مع الواي فاي القادمة قريبًا، فإن موقع الآيبود كمشغل موسيقى مسيطر على السوق يبدو في خطر.

لذلك، ففي صيف ذلك العام، وفيما كان يعلن نفيه بأنه سيصنع هاتفًا، كان جوبز يعمل على دخوله عالم صناعة الهواتف المحمولة. وفي محاولةٍ لتجاوز شركات الاتصالات، تواصل جوبز مع موتورولا. كانت تبدو اتفاقية سهلة، فموتورولا كانت قد أطلقت هاتفها الشهير “رازر”، وجوبز كان يعرف إد زاندر، الرئيس التنفيذي لشركة موتورولا ذلك الوقت، منذ أيام كان تنفيذيًا لدى شركة صن مايكروسيستيمز. الاتفاقية كانت تكلّف أبل بالتركيز على بناء برنامج الموسيقى، بينما تقوم موتورولا وشركة الاتصالات سينغيولر بالاهتمام بالتفاصيل المعقدة لصناعة الجهاز.

افترضت خطة جوبز أن موتورولا ستصنع جهازًا يخلف هاتف رازر في نجاحه، ولكن، بعد فترة بسيطة، بان بأن ذلك لن يحصل. كانت الشركات الثلاث تتفاوض على كل شيء تقريبًا؛ كم أغنية ستكون في الهاتف، كم سيتحمل الجهاز من أغنية، وحتى حول كيفية عرض اسم كل شركة على الجهاز. وبنهاية النسخة الاولية من الهاتف في نهاية عام 2004، ظهرت مشكلة أخرى: كان الجهاز نفسه قبيحًا.

أعن جوبز عن “روكر” في سبتمبر عام 2005، بثقته المتميزة، واصفا إياه بأنه: “آيبود شفل” في هاتفك. لكن جوبز علم بأنه يملك منتجًا فاشلاً في يديه، والمستهلكون من ناحيتهم فقد كرهوه. روكر -الذي لم يكن يستطيع تحميل الأغاني مباشرة، ويتحمل فقط 100 أغنية- بسرعة جاء ليظهر كل شيء خاطيء في صناعة الوايرلس في الولايات المتحدة، كان نتاج اهتمامات ملخبطة متعارضة كان فيها المستهلك هو آخر من يـُفكّر به. مجلة وايرد لخصت الاحباط الحاصل على غلاف عددها الصادر في نوفمبر 2005: “أتدعو هذا هاتف المستقبل؟”

البقية في الجزء الثاني..

التالي »